خطبة الجمعة في تركيا مترجمة الى اللغة العربية




الولاية : عموم الولايات

التاريخ : 02. 06. 2017

جوعُ الصّوْمِ دَواءُ الجَشَعِ وَالطَّمَعِ

بارَكَ اللهُ لَكُمْ في جمعتكم إخْوانيَ الأعِزّاءُ!

الحَمْدُ للهِ الذي بَلَّغَنا نَحْنُ المُؤمِنينَ رَمَضانَ، شَهْرَ الرّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ. والصّلاةُ والسّلامُ على سَيّدِنا مُحَمّدٍ الذي عَلّمَنا أَنَّ الصّوْمَ مَدْرَسَةٌ وصَديقٌ يُعَمِّرُ أرْواحَنا.

إخْواني!

يَتَوَجَّهُ اللهُ تَعالى إلى النّاسِ الذينَ وَقَعوا أَسْرى أهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ، وباتوا في غَياهِبِ الجَشَعِ والطَّمَعِ، بِهَذا السّؤالِ الذي يَأْخُذُ الأرْواحَ: “فَأَيْنَ تَذْهَبون[1]. هَلْ تُدْرِكونَ الطّريقَ الذي تَذْهَبونَ فيه؟. في هَذا الشّهْرِ المُبارَكِ، في شَهْرِ القُرْآنِ يَنْبَغي أنْ نَسْأَلَ أنْفُسَنا هَذا السّؤالَ مَرّةً أخْرى. وبِهَذا السّؤالِ يَنْبَغي أنْ نَنْتَفِضَ ونَعودَ لِصَوابِنا، ويَنْبَغي أنْ نُفَكّرَ مَلِيّاً في الإجابَةِ على هَذا السّؤالِ.

 

أيّها المُؤْمِنونَ الأعِزّاءُ!

رَمْضانُ واحِدَةٌ مِنْ أجْمَلِ وأحْسَنِ الفَتَراتِ التي نَشْهَدُها لِلإجابَةِ على هذا السّؤالِ؛ لِأنّهُ يُذَكّرُنا بِما نَسِيناهُ، ويَدْعونا لِلتّفَكُّرِ والتّأَمُّلِ. ورَمَضانُ بِما يَحْمِلُهُ مِنَ الصّوْمِ وقِراءَةِ القُرْآنِ والصّلاةِ والذّكْرِ والتَّوْبَةِ والصَّدَقَةِ والدُّعاءِ؛ يَزْرَعُ السّكينَةَ في نُفوسِنا. رَمَضانُ يَتْرُكُنا في جوعٍ مِنْ وَقْتِ الإمْساكِ إلى وَقْتِ الإفْطارِ، فَيُداوي الجَشَعَ والطّمَعَ الذي يُشَكّلُ مَنْبَعَ السّيّئاتِ والمُنْكَراتِ كُلِّها. واللهُ سُبْحَانَهُ وتَعالى يُخْبِرُنا في سورَةِ التّكاثُرِ هَذِهِ الحَقيقَةَ فَيَقولُ سُبْحانَهُ: “أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ[2].

إخْواني!

قَرَأَ رَسولُ اللهِ عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ سورَةَ التّكاثُرِ يَوْماً ثُمّ تَوَجّهَ إلى أصْحابِهِ وسَألَهُمْ هذا السّؤالَ الذي يَجِبُ أنْ نَتَوَقَّفَ عِنْدَهُ مُطَوَّلاً: “يقولُ ابْنُ آدَمَ: مَالي، مَالي، وهَلْ لَك يا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إلا ما أكلتَ فأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ؟”[3].

إخْواني!

إنّ الطّمَعَ والجَشَعَ هو مَصْدَرُ كُلِّ السّوءِ الذي يَتَعَرَّضُ لَهُ الإنْسانُ والإنْسانِيّةُ. وهَلْ مِنْ سَبَبٍ لِلدِّماءِ التي تُسْفَكُ في جُغْرافِيَّتِنا والآلامِ التي يَعيشُها المُسْلِمونَ سِوى جَشَعِ القِوى العالَمِيّةِ؟ وهَلْ غَيْرُ هذا الجَشَعِ والطَّمَعِ يُسَبّبُ اخْتِلالَ تَوازُنِ البيئَةِ وتَخْريبَ الطّبيعَةِ وتَلَوّثَ البيئَةِ وتَعديلَ بُنْيَةِ النّباتاتِ والبُذورِ واللّعِبَ بِحَياةِ الإنْسانِ ومُسْتَقْبَلِهِ؟.

إخْواني!

في أَجْواءٍ كَهَذِهِ الأجْواءِ يَأْتي رَمَضانُ والصّوْمُ فَيُضِيءُ قُلوبَنا وأجْسادَنا، ويُقَدِّمُ لَنا فُرْصَةً كَبيرَةً لِلتّخَلُّصِ مِنَ الطّمَعِ والجَشَعِ. يَأْتي رَمَضانُ والصّوْمُ فَيُذَكّرُنا أنّ ما نَمْلُكُهُ لَيْسَ لَنا في حَقيقَةِ الأمْرِ، وأنّ الأنْعُمَ المادِيّةَ والمَعْنَوِيّةَ سَبَبٌ لِلامْتِحانِ والابْتِلاءِ. يَأْتي رَمَضانُ لِيَجْعَلَنا نُدْرِكُ أنّ الدّنْيا فانِيَةٌ وأنّ الآخِرَةَ هي الحَياةُ الباقِيَةُ، ويُعَلِّمُنا التَّشارُكَ والقَناعَةَ والشُّكْرَ، ويُعَلِّمُنا أنَّ الغِنى لَيْسَ غِنى المالِ بَلْ غِنى النّفْسِ، ويُخْبِرُنا أنَّ طَريقَ السَّعادَةِ في الدّنْيا والفَلاحَ في الآخِرَةِ لا يَمُرُّ مِنْ جَمْعِ المالِ والثّرْوَةِ، بَلْ يَمُرُّ مِنْ كَسْبِ القُلوبِ وجَمْعِ الأدْعِيَةِ.

إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَتَعالَوْا يا إخْوانيَ الكِرامُ نُمَكِّنُ الصّوْمَ والعِباداتِ الأخْرى لِيَجْعَلَنا مُؤْمِنينَ تَحَرّروا مِنَ الطّمَعِ والجَشَعِ ورَضُوا بِالقَناعَةِ والشّكْرِ، ونُسَلِّمْ قُلوبَنا لِرَمَضانَ.

إخْوانِيَ الأكارِمُ!

لَقَدْ احْتَرَقَتْ أفْئِدَتُنا لَدى سَماعِ خَبَرِ اسْتِشْهادِ أبْنائِنا في هَذِهِ الأيّامِ التي نَعيشُ فيها فَرْحَةَ رَمَضان. ذَهَبَ أبْناؤنا شُهَداءَ في سَبيلِ وَحْدَتِنا واتّحادِنا وسَكينَتِنا وقِيَمِنا وحَتّى نَمْضِيَ رَمَضانَ في طُمأنِينَة. أسْألُهُ سُبْحانَهُ الرّحْمَةَ على شُهَدائِنا والشّفاءَ العاجِلَ لِلْمُصابين. أسْألُهُ جَلّ وعَلا أنْ يُلْهِمَ ذَويهِمْ وأُمّتَنا الصّبْرَ والسّلْوانَ. والعَزاءَ لِشَعْبِنا وأمَّتِنا. اللّهُمَّ آمين.

[1] التكوير، 81/ 26.

[2] التكاثر، 102/ 1-8.

[3] مسلم، الزهد، 3.

إعداد: المديرية العامة للخدمات الدينية