خطبة الجمعة في تركيا باللغة العربية ليوم 21-4




نتمنى لكم جمعة مباركة جميعا

وننشر لكم خطبة اليوم الجمعة الواقع في 21-4-2017 باللغة العربية

وكما وردتنا

((الولاية  : عموم الولايات

التاريخ : 21. 04. 2017

المُؤْمِنُ هو مَنْ يَأْمَنُ ويُؤْمَنُ

إِخْوانِيَ الأعِزّاءُ!

بارَكَ اللهُ في جُمُعَتِكُمْ، يَقولُ اللهُ تَعالى في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: “الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ”[1]. وَيَقولُ رَسولُنا الكَريمُ عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ: “لا إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ”[2].

إخْواني!

لَقَدْ خَلَقَ اللّهُ تَعالى الكائِناتِ مِنْ عَدَمٍ، وَجَعَلَ الأَرْضَ أَمانَةً عِنْدَ الإِنْسانِ حَتَّى يَبْنِيَ حَيَاةً مَلِيئَةً بِالأَمْنِ وَالأَمانِ والسَّكِينَةِ. وَاللهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى يُبَيِّنُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ التي تَلَوْتُها أَنَّ هُناكَ شَرْطانِ لِبِنَاءِ عَالَمٍ آمِنٍ. الشَّرْطُ الأَوَّلُ هُوَ الإِيمانُ. فَالإِنْسانُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْلُغَ طَريقَ الهُدى دُونَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِناً يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِلَ إِلَى حَقِيقَةِ الإِيمَانِ دُونَ أَنْ يُراعِيَ الأَمانَةَ، وَيَكُونَ شَخْصاً يُوثَقُ بِهِ. فَلا إيمانَ ولا إِسْلامَ بِدُونِ أَمَانٍ. أَمّا الشَّرْطُ الثَّاني لِبِنَاءِ عَالَمٍ آمِنٍ فَهُوَ أَنْ لا نُلْبِسَ إيمانَنا بِظُلْمٍ أَوْ شِرْكٍ بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ الأَشْكالِ، وَنَتَّخِذَ العَدْلَ شِعَاراً، وَلا نَتَغاضى عَنِ الظُّلْمِ، وَأَنْ لَا نَغْفُلَ أَبَداً عَنْ أَنَّ الأَرْضَ وَالحَيَاةَ وَأَنْعُمَ اللهِ وَكُلَّ إِنْسَانٍ حَوْلَنا أَمَانَةٌ فِي أَعْناقِنا.

إخْواني الأعِزّاءُ!

الأَمانُ يَسْتَمِدُّ غِذَاءَهُ مِنَ الإيمانِ وَالعَقيدَةِ وَالإِخْلاصِ وَيُعَشْعِشُ فِي القُلوبِ. وَعِنْدَما لا يَتَرَسَّخُ الأَمانُ فِي قُلوبِنا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَقِّقَ الأَمانَ في بُيُوتِنا وأَسْواقِنا ومَدارِسِنا مَهْما كانَتِ التَّدابِيرُ الأَمْنِيَّةُ الخارِجِيَّةُ التي نَتَّخِذُها كَثيرَةً. وَلا يُمْكِنُنا أَنْ نُحافِظَ عَلى أَمْنِ بَلَدِنا وَمَدِينَتِنا وَحَيِّنا دُونَ أَنْ نُحَقِّقَهُ فِي بُيُوتِ قُلوبِنا.

المُؤْمِنُ يَثِقُ بِرَبِّهِ أوَّلاً، وَكُلَّما بَحَثَ عَنْ مَصْدَرٍ دائِمٍ لِلأَمْنِ لَجَأَ إِلى خالِقِهِ “الذي يَزْرَعُ السَّكِينَةَ فِي القَلْبِ وَيُحْسِنُ لِلإِنْسانِ بِالأَمانِ”. ثُمَّ تَتَطَوَّرُ ثِقَتُهُ بِنَفْسِهِ بِفَضْلِ هَذا الإِيمانِ وَيَصيرُ شَخْصاً صادِقاً رَحيماً يَبْعَثُ الأَمْنَ في نُفوسِ مَنْ حَوْلَهُ. فَالإيمانُ أَمْنٌ وَأَمانٌ. وَالمُؤْمِنُ هُوَ الذي  يَأْمَنُ وَيُؤْمَنُ جانِبُهُ، وَيَثِقُ وَيُوثَقُ بِهِ. فَالإِنْسانُ الذي لَا يَثِقُ بِرَبِّهِ وَكِتابِهِ وَنَبِيِّهِ كَيْفَ يَثِقُ بِنَفْسِهُ؟ وَمَنْ يَثِقُ بِمَنْ لَا يَثِقُ بِنَفْسِهُ؟.

إخْواني!

لَقَدْ دَعا جَميعُ الأنْبِياءِ وَالرّسُلِ الإنْسانِيَّةَ إلى الإيمانِ. وتَحَمّلوا صُعوباتٍ وَمَشَقّاتٍ ومِحَناً كَثيرَةً لِتَصيرَ الأرْضُ دارَ أَمْنٍ وأَمانٍ. فَعاشَ كُلُّ نَبِيٍّ بِالأمانِ في قَلْبِهِ وحَياتِهِ أوَّلاً. فَيونُسُ عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ الذي دَعا رَبَّهُ بِهَذا الدُّعاءِ: “لا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”[3] كانَ في أَمانٍ وهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ في ظُلُماتِ البَحْرِ. وَخَليلُ اللهِ إبْراهيمُ عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ نالَ السَّلامَةَ والأمانَ وكآنَتِ النَّارُ عَلَيْهِ بَرْداً وسلاماً بِفَضْلِ اللهِ تعالى عِنْدَما أُلْقِيَ فيِها في سَبيلِ التَّوْحيدِ. وعِنْدَما كانَ يَرْفَعُ قَواعِدَ الكَعْبَةِ مَعَ ابْنِهِ إسْماعيلَ سَألَ اللهَ تَعالى الأمْنَ والأمانَ أوَّلاً قاَئِلاً: “رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا”[4]. وعِنْدَما أُلْقِيَ يوسُفُ عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ في الجُبِّ مِنْ قِبَلِ إخْوَتِهِ، وعِنْدَما أُريدَ الطَّعْنُ بِعِفَّتِهِ وَثِقَ بِاللهِ دائِماً، وعِنْدَما قَدِمَ إلَيْهِ أَبَواهُ آواهُما واحْتَضَنَهما وهُوَ يَقولُ: “ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ”[5]. وموسى عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ نَشَأَ في أمانٍ وهُوَ في قَصْرِ فِرْعَوْنَ بِرِعايَةِ اللهِ تَعالى وحِفْظِهِ.

إخْواني الأعِزّاءُ!

وحَبيبُنا المُصْطَفى صلى الله عليه وسلم الذي تَحَمَّلَ الصُّعوباتِ في سَبيلِ التَّوْحيدِ وفي سَبيلِ تَبْليغِ أَمْرِ اللهِ؛ لَجَأَ إلى أمانِ اللهِ تَعالى في غارِ ثَوْرٍ أثْناءَ هِجْرَتِهِ إلى المَدينَةِ. وَلَقَّنَ صاحِبَهُ الصّادِقَ الصِّدّيقَ أبا بَكْرٍ الأمانَ في صَمْتِ الغارِ المُخَيَّمِ فَقالَ: “لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا”[6]. إنّهُ مُحَمّدٌ الأمينُ الذي يَثِقُ بِهِ الصَّدِيقُ والعَدُوُّ والقَريبُ والبَعيدُ. والإنْسانُ المُتَواضِعُ الطّاهِرُ الصّادِقُ الذي سَلِمَ النّاسُ مِنْ يَدِهِ ولِسانِهِ وحالِهِ وقَلْبِهِ.

ما يَجِبُ عَلَيْنا فِعْلُهُ نَحْنُ المُؤْمنينَ هو أنْ نَتَّخِذَ سِلْسِلَةَ الأنْبياءِ قُدْوَةً، ونَتَحَلّى بِأخْلاقِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ، ونَكونَ أُمَّةً أَمِينَةً للنَّبِيِّ الأمينِ. يَنْبَغي عَلَيْنا أنْ لا نَنْسى أنَّ الطَّريقَ إلى أنْ نَكونَ أشْخاصاً يُوثَقُ بِهِمْ يَمُرُّ مِنَ الإيمانِ والحِفاظِ على أماناتِ اللهِ تَعالى. وعِنْدَما يَخونُ الإنْسانُ الأمانةَ يَفْقِدُ الأمْنَ والأمانَ والسَّكينَةَ. وكُلَّما كانَ الإنْسانُ أَميناً كانَتِ البُيوتُ والبُلْدانُ أَمِينَةً. فَالإيمانُ والأَمانُ في قُلوبِنا ضَمانٌ لِتَكونَ الطَّبيعَةُ والأرْضُ مَكاناً آمِناً.

إخْواني!

كانَ رَسولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهِلالَ الذي هو آيَةٌ مِنَ الآياتِ الدّالَةِ على وُجودِ اللهِ وقُدْرَتِهِ كانَ يَدْعو بِهَذا الدُّعاءِ: “اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ علَيْنَا بِالأَمْنِ والإِيمَانِ، وَالسَّلامَةِ والإِسْلامِ”[7]. في هَذِهِ الأيّامِ التي نَعيشُ فيها أجْواءَ الرَّحْمَةِ، وأَجْواءَ المَوْلِدِ المُبارَكِ، بَلَّغَنا اللهُ تَعالى لَيْلَةً مُبارَكَةً أُخْرى. فَفي مَساءِ يَوْمِ الأحَدِ المُقْبِلِ سَنُدْرِكُ لَيْلَةَ المِعْراجِ. ولَيْلَةُ المِعْراجِ لَيْلَةٌ مُبارَكَةٌ شَهِدَتْ رِحْلَةَ رَسولِنا الكَريمِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى ومِنْهُ إلى السَّمَواتِ العُلى.

بِهَذِهِ الوَسيلَةِ أُهَنِّئُكُمْ بِلَيْلَةِ المِعْراجِ. وأتَمَنّى أنْ تَعودَ القِيَمُ المُتَكامِلَةُ مَعَ لَيْلَةِ المِعْراجِ بِالخَيْرِ على الإنْسانِيَّةِ بِرُمَّتِها، وأنْ يَبْدَأَ المِعْراجُ والرُّقِيُّ مِنْ أنْفُسِنا ويُحيطَ بِكُلِّ شَرائِحِ المُجْتَمَعِ أمْواجاً أمْواجاً. وأسْأَلُهُ جَلَّ وعَلا أنْ يَعودَ المَسْجِدُ الأقْصى والقُدْسُ وما حَولَها لِتَكونَ دِيارَ الأمْنِ والأمانِ مِنْ جَديدٍ ، وأنْ يَحُلَّ الأمْنُ والسّلامُ مَكانَ العُنْفِ والإرْهابِ والحَرْبِ والعَداوَةِ الذي يُهَدِّدُ أمْنَ الإنْسانِيَّةِ المُشْتَرَكِ. اللهم آمين.

[1]  الأنعام، 6/ 82.

[2]  أحمد بن حنبل، ج 3، 134.

[3]  الأنبياء، 21/ 87.

[4]  البقرة، 2/ 126.

[5]  يوسف، 12/ 99.

[6]  التوبة، 9/ 40.

[7]  الترمذي، الدعوات، 50.  ))

تقبل الله صالح اعمالكم