خطبة الجمعة التركية باللغة العربية يوم 28-4-2017




الولاية : عموم الولايات

التاريخ : 28. 04. 2017

 

السّلامُ: جِسْرُ الأَمْنِ والأَماَنِ والمَحَبَّةِ

السّلامُ على القُلوبِ التي تُؤْمِنُ بِاللهِ ورَسولِهِ!

بارَكَ اللهُ لَكُمْ جُمُعَتَكُمْ إخْواني الأعِزّاءُ!

يَقولُ اللهُ تَعالى في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: “وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا”[1].

وَيَقولُ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ”[2].

إخْواني!

إنَّ “السّلامَ” هي إِحْدى أسْماءِ اللهِ الحُسْنى. ورَبُّنا جَلَّ وعَلا هو مَنْبَعُ الأمْنِ والسّلامِ. لِهَذا السَّبَبِ نَذْكُرُ اسْمَهُ “السّلامَ” بَعْدَ كُلِّ صَلاةٍ ونَقولُ: “اللّهُمّ أنْتَ السّلامُ ومِنْكَ السّلامُ تَبارَكْتَ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ“. فَنَسْأَلُهُ سُبْحانَهُ أنْ يَمْنَحَنا السّلامَةَ والهِدايَةَ وحَياةً مِلْؤُها الأمْنُ والأمانُ.

إخْواني الأعِزّاءُ!

السّلامُ هو شِعارُ المُؤْمِنِ، وعُنْوانُ الأمْنِ والسَّكينَةِ، وابْتِعاَدٌ عَنِ الخَوفِ والقَلَقِ والكَدَرِ والتّهْلُكَةِ. لِذلك نُسَلّمُ على مَنْ نَعْرِفُهُمْ ومَنْ لا نَعْرِفُهُمْ مِنَ المُؤْمِنينَ، ونَبْني رَوابِطَ الأمانِ والمَحَبَّةِ. وعِنْدَما نَبْدَأُ الحَديثَ مَعَهُمْ نَقولُ “السّلامُ عَلَيْكُمْ”، ونُتَرْجِمُ نِيّاتِنا الحَسَنَةَ إلى أدْعِيَةٍ.

السّلامُ هو الضَّمانُ الذي نُعْطِيهِ لِلشّخْصِ الذي أمامَنا أنّنا أصْدِقاءُ ولَنْ يُصيبَهُ مِنّا سوءٌ. والسّلامُ هو عَهْدٌ بِأنْ نَبْقى إخْواناً نَنْسى الحِقْدَ والبُغْضَ والخِصامَ. فَالسّلامُ الذي يَتِمُّ إلْقاؤهُ بِابْتِسامَةٍ يُزيلُ الخُصوماتِ والهُمومَ والغُمومَ، ويُوَحِّدُ القُلوبَ ويَكونُ وَسيلَةً لِلرَّأْفَةِ والشَّفَقَةِ واللُّطْفِ.

إخْواني!

السّلامُ لَيْسَ كَلِمَةً عادِيَّةً وعَادَةً يَوْمِيَّةً. السّلامُ مِفْتاحٌ نَفيسٌ يَفْتَحُ القُلوبَ الموصَدَةَ ويُصْلِحُ بَيْنَ القُلوبِ. فَعِنْدَما وَصَلَ سَيّدُنا مُحَمّدٌ صلى الله عليه وسلم المَدينَةَ مُهاجِراً خاطَبَ الجُموعَ التي احْتَشَدَتْ لِاسْتِقْبالِهِ قائلاً: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ”[3].

إخْواني!

لَمْ تُفارِقْ كَلِمَةُ السّلامِ لِسانَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم طِوالَ حَياتِهِ. فَكانَ يُسَلّمُ على الجَميعِ رِجالاً ونِساءً وصِغاراً وكِباراً وشُيوخاً. فكانَ رسولُ اللهِ صلى الله عَلَيْهِ سَلَّمَ يَقول: “خَيْرُكُمْ مِنْ يَبْدَأُ السّلامَ[4]. بَلْ كانَ يُسَلّمُ حَتّى على أهْلِ القُبورِ أَيْضاً ويَدْعُو لَهُمْ بِالسّكينَةِ.

حَسَناً، إنْ كانَ لَدَيْنا رَسُولٌ عَظيمٌ مِثْلُ سَيّدِنا مُحَمّدٍ عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ؛ كَيْفَ لنا أن نَمْضِيَ دونَ أنْ نَعْرِفَ جارَنا؟ كَيْفَ لَنا أنْ لا نُسَلّمَ على أقارِبِنا ومَعارِفِنا؟ كَيْفَ لَنا أنْ نَتَجاهَلَ الفُقَراءَ والمَساكينَ واليَتامى الذينَ هُمْ أمانَةٌ في أعْناقِنا؟ يَجِبُ أنْ لا نَنْسى أنَّ عَدَمَ إلْقاءِ السّلامِ بُخْلٌ وأَيُما بُخْلٍ. ويَجِبُ على الذينَ يَتَجَنَّبُونَ إفْشاءَ السّلامِ وهُمْ يَقولونَ: “إنْ نُفْشِ السّلامَ نَكُنْ مَدينينَ” أنْ يَعْلَموا أنَّ المُؤْمِنَ يَصيرُ مَديناً إنْ لَمْ يُلْقِ السّلامَ. فَرَسولُ اللهِ عَلَيْهِ الصّلاةُ والسّلامُ عِنْدَما عَدَّ حُقوقَ المُسْلِمِ على المُسْلِم ذَكَرَ إلْقاءَ السّلامِ أيْضَاً[5].

إخْواني الأعِزّاءُ!

إنّ لُغَةَ السّلامِ لُغَةٌ عالَمِيَّةٌ لِأنَّ اسْمَ اللهِ “السّلامَ” يُحيطُ بِالعالَمِ كُلِّهِ. فَالإنْسانُ مُحْتاجٌ إلى السَّلامِ أيّاً كانَ لَوْنُهُ وعِرْقُهُ ومَذْهَبُهُ ومَشْرَبُهُ. ولا يُمْكِنُ لِلزّمَنِ والمَسافَةِ أنْ يَقْطَعَ طَريقَ رِياحِ الأمْنِ والسّلامِ. فَكَما يَبْلُغُ السَّلامُ الذي نُرْسِلُهُ إلى المَدينَةِ ورَسولِنا الكَريمِ رَغْمَ بُعْدِ المَسافاتِ؛ كَذَلِكَ تَصِلُ أَدْعِيَتُنا وتَحِيَّاتُنا إلى المَظْلُومينَ وإخْوانِنا في الدّينِ.

إخْواني الأعِزّاءُ!

أسْألُ اللهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ السَّلامَ والْأَمْنَ ساَئِداً في دِيارِنا والبِلادِ الإسْلامِيّةِ والعَالَمِ كُلّهِ، وأنْ يَجْعَلَنا نُحَوِّلُ إيمانَناَ إلى السّلامِ، وسلامَناَ وتَحِياَّتِناَ إلى الأمانِ. والسّلامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ.

[1]  النساء، 4/ 86.

[2]  مسلم، الإيمان، 93.

[3] الترمذي، صفات القيامة، 42.

[4] أبو داود، الأدب، 132-133.

[5]  مسلم، السلام، 5.

                                                من إعداد المديرية العامة للخدمات الدينية