خطبة اليوم الجمعة 5-5 في تركيا مترجمة للغة العربية




الولاية : عموم الولايات

التاريخ : 05. 05. 2017

 

 

التوبة: عُنْوانُ النّدَمِ والأمَلِ

 

بارَكَ اللهُ في جُمُعَتِكُمْ إخْواني الأعِزّاءُ!

يَقولُ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ العَزيزِ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ… “[1].

 

إخْواني!

التَّوّابُ اسْمٌ مِنْ أسْماءِ اللهِ الحُسْنى، فَهُوَ سُبْحانَهُ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ، ويَعْفُو عَنِ الذينَ يَلْجَؤونَ إلى رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ. وهُوَ سُبْحانَهُ الغَفورُ الغفَّارُ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ. وهُوَ سُبْحانَهُ يُحِبُّ التَّوّابينَ، قَالَ اللهُ تَعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ“. ولا يَرُدُّ الأيْديَ المَرْفوعَةَ إلَيْهِ فارِغَةً أبَداً، ولا يُخْزي القُلوبَ التي تَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِإِخْلاصٍ، ولا يُذِلُّ الذينَ يَسْكُبونَ دُموعَهُمْ مِنَ النَّدَمِ.

إخْواني المؤْمِنينَ!

جَميعُنا بَشَرٌ ، نَعيشُ في عالَمِ الابْتِلاءِ والامْتِحانِ. والإثْمُ والثَّوابُ في هَذا الامْتِحانِ إثْمٌ أو ثَوابٌ في حَقِّنا. نُقاوِمُ الذُّنُوبَ والآثامَ، ونَتَجَنَّبُ الوُقوعَ فيها أَحْياناً، ونَقَعُ في الغَفْلَةِ ونَرْتَكِبُ الخَطيئَةَ والإثْمَ أحْياناً. لَكِنَّنا نَعْلَمُ أنَّ بابَ الرَّحْمَةِ مَفْتوحٌ أمامَنا على مِصْراعَيْهِ، و مِنَ الْواَجِبِ عَلَيْناَ أنْ لا نُصِرَّ على الإثْمِ والسَّيِّئَةِ والخَطيئَةِ، وأنْ نَسْعى لِدَفْعِها وتَجَنُّبِها بِالحَسَناتِ، ونَتَوَجَّهَ إلى اللهِ مُخْلِصينَ ونَرْجُوَ مِنْهُ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ.

إخْواني!

إنَّ التَّوْبَةَ تَعْبِيرٌ عَنْ عَجْزِنا، والتَّوْبَةُ تَعْبيرٌ واضِحٌ عَنِ الضّعْفِ الذي يُصيبُنا أحْياناً في عَهْدِنا للهِ تَعالى. وَرَبُّنا سُبْحانَهُ يُعَلِّمُنا في قُرْآنِهِ الكَريمِ نِعْمَةَ التَّوْبَةِ على لِسانِ أوَّلِ بَني البَشَرِ، ويُخْبِرُنا أنَّ أبانا آدَمَ وأُمَّنا حَوّاءَ تابا إلى اللهِ فَقالا: “رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[2].

إخْواني!

التَّوْبَةُ هيَ العَزْمُ على التَّجْديدِ والتَّطَهُّرِ، وتَطْهيرُ الألْسُنِ والعُقولِ التي تَتَلَوَّثُ بِأقْذارِ الدُّنْيا وضَوْضائِها خِلالَ رِحْلَتِنا فيها، وتَليينُ القُلوبِ التي تَلْحَقُها السّوادُ والقَساوَةُ، وتَنْقِيَةُ القُلوبِ المُنْكَسِرَةِ وسَكينَتُها.

التَّوْبَةُ أمَلٌ وعَزاءٌ ومُواساةٌ لَنا، وهيَ الْمَيْناءُ الآمِنُ الذي نَلْجَأُ إلَيْهِ في الأوْقاتِ الصَّعْبَةِ. فَاللهُ تَعالى لا يَتْرُكُنا غَرْقى في الخَطايا والمَعاصي ولَوْ تَخَلَّى عَنّا النّاسُ جَميعاً، ولا يُعْرِضُ عَنّا ولَوْ أَعْرَضَ النّاسُ عَنّا. إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَاءُ[3]. حَسْبُنا أنْ نُخْلِصَ في إيمانِنا بِوُجودِ اللهِ تَعالى وَوَحْدَانِيَّتِهِ، ولا نَقْطَعَ أمَلَنا بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ، ولا نَحْرِمَ أنْفُسَنا مِنْ عَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ، ونَلْتَمِسَ عِنْدَهُ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ عِنْدَما نَنْهَزِمُ أمامَ أهْوائِنا ونَقَعُ في حَبائلِ الخَطايا والآثامِ.

إخْواني!

إنّنا على وَشَكِ أنْ نَبْلُغَ مَرَّةً أخْرى لَيْلَةَ البَراءَةِ التي تُبَشِّرُنا بِقُدومِ شَهْرِ رَمَضانَ، شَهْرِ الرّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ والعِتْقِ مِنَ النّارِ. فَفي لَيْلَةِ الخَميسِ المُقْبِلِ، سَنَقومُ بِإحْياءِ لَيْلَةِ البَراءَةِ، أيْ لَيْلَةَ النّصْفِ مِنْ شَعْبانَ. وسَنَحْظى بِفُرْصَةٍ أخْرى مُنْقَطِعَةِ النّظيرِ لِبُلوغِ بَراءَةِ اللهِ بِالتّخَلّصِ مِنْ كُلّ المَشاكِلِ التي تُثْقِلُ القُلوبَ، ومِنْ كُلِّ الخَطايا التي تَجْرَحُ المُؤْمِنَ، ومِنْ كُلّ السَّيّئاتِ التي لا تَليقُ بِالإنْسانِ. والحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثيراً لأنَّهُ وَهَبَنا هَذِهِ الفُرْصَةَ الجَميلَةَ في عُمُرِنا الذي يَمْضي بِسُرْعَةٍ. وأُبارِكُ لَكُمْ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ مُقَدَّماً.

 

إخواني!

أخْبَرنا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ التّائبينَ في لَيْلَةِ البَراءَةِ[4]. فَإِنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَتَعالَوْا نَغْتَنِمْ هَذِهِ اللّيْلَةَ ولْنَتُبْ إلى اللهِ تَوْبَةً نَصوحاً. تَعالَوْا نَتُبْ إلى اللهِ لِأنّنا نَنْسى الآخِرَةَ نَتيجَةَ انْشِغالِنا بِمَشاكِلِ الدّنْيا وهُمومِها. تَعالَوْا نَتُبْ إلى اللهِ لِأنَّنا نَحْرِمُ أحْياناً حَتّى أَقْرَبَ المُقَرّبينَ مِنْ مَحَبَّتِنا واهْتِمامِنا ورحْمَتِنا. تَعالَوْا نَتُبْ إلى اللهِ عَنِ الأيّامِ التي أَهْمَلْنا فيها أَزْواجَنا وذُرّياتِنا وأقارِبَنا واليَتامى والمَساكينَ والمُحْتاجينَ. تَعالَوْا نَتُبْ إلى اللهِ لِأَنّنا لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نُراعِيَ حُقوقَ إخْوانِنا الذينَ هُمْ أَمانَةُ اللهِ عِنْدَنا، ولِأنّنا لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَكونَ كَما أَمَرَنا رَسولُ اللهِ (ص) كالجَسَدِ الواحِدِ إذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى. يَنْبَغي أنْ لا نَنْسى أنَّه مَعَ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ لَيْسَ هُناكَ مُذْنِبٌ أو مُخْطِئٌ يُغْلَقُ عَلَي وَجْهِهِ بابُ التَّوْبَةِ بِسَبَبِ عِظَمِ إثْمِهِ أو خَطاَياَهُ.

[1]  التحريم، 66/ 8.

[2]  الأعراف، 7/ 23.

[3]  النساء، 4/ 48، 116.

[4]  ابن ماجة، إقامة الصلاة، 191.

                        من إعداد المديرية العامة للخدمات الدينية