خطبة الجمعة في تركيا بعنوان الرياء اسم لغياب الاخلاص




الولاية: عموم الولايات

التاريخ: 12. 05. 2017

الرِّياءُ: اسْمٌ لِغِيابِ الإِخْلاصِ

بارَكَ اللهُ في جُمُعَتِكُمْ إخْوانيَ الأعِزّاءُ!

مَوْضوعُ خُطْبَتي اليَوْمَ سَيِّئَةٌ تُفْني كُلَّ حَسَناتِنا، وتُحْبِطُ كُلَّ أَعْمالِنا، إِنَّها الرِّياءُ. فَالرِّياءُ اسْمٌ لِغِيابِ إِخْلاصٍ يُفْسِدُ كُلَّ حَسَناتِنا ويَجْعَلُ كُلَّ أَعْمالِنا هَباءً. وَالرِّياءُ مَرَضٌ يَهْوي بِقيمَةِ صاحِبِهِ، ويُفْسِدُ العَلاقاتِ، وَيُزَعْزِعُ الثِّقَةَ بَيْنَ النَّاسِ.

وَقَدْ لَفَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتِباهَ أَصْحاَبِهِ ذاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ” قَالَ: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: ” الرِّيَاءُ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمِ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً أَوْ خَيْرًا [1].

 

أيُّها المُؤْمِنونَ الأَعِزّاء!

إِنَّ الصِّدْقَ والإخْلاصَ جَوْهَرُ الإسْلامِ. وَهُوَ أَنْ نَجْعَلَ العَقِيدَةَ والإِيمانَ والعُبودِيَّةَ والطّاعَةَ خالِصاً للهِ رَبِّ العالَمين. وأَنْ نَبْتَغِيَ بِأَقْواَلِنا وأَعْمالِنا رِضَى اللهِ وَحْدَهُ. وَأَنْ نَبْدُوَ كما نَحْنُ، وأَنْ نَكونَ كَما نَبْدُو.

إِخْواَنِي الْكِراَم!

تَفْقِدُ الأَعْمَالُ مَعانِيها عِنْدَما تَتَلَوَّثُ بِرَغْبَةِ الظُّهُورِ والرِّياَءِ. وَالأَعْمَالُ البَعِيدَةُ عَنْ الصِّدْقِ وَالإِخْلاصِ تَبْقَى فاَرِغَةَ المَضْمونِ وَإِنْ بَدَتْ مُزَخْرَفَةً وجَمِيلَةً فِي مَظْهَرِها. وَالقِيَمُ المُجَرَّدَةُ عَن الإِخْلاصِ تَفْقِدُ قِيْمَتَهاَ. وَالإِخْلاصُ لَيْسَ أَمْراً خاصّاً بِالعَقائِدِ وَالعِباداتِ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ هامٌّ يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَلَّى فِي سائِرِ عَلَاقاَتِنا الإِنْسَانِيَّةِ. فَالإِخْلاصُ فِي أَوْسَاطِ العَائِلَةِ وَالأَقْرِباءِ، وفي العَلاقاتِ مَعَ الجِيرانِ وَالأَصْدِقاءِ، وَفي أَوْساطِ العَمَلِ، بَلْ في سَائِرِ مَجالاتِ الحَياةِ مِنْ أَعْظَمِ الفَضاَئِلِ الأَخْلاقِيَّةِ. وَطَرِيقُ اِكْتِسَابِ هذِهِ الفَضِيلَةِ أَنْ نَبْتَغِيَ في كُلِّ عَمَلٍ نَقُومُ بِهِ رِضَى رَبِّنا سُبْحَانَهُ.

إخواني الكرام!

إِنْ تَسَلَّلَ الرِّياءُ إلى صَلاتِنا فَلَنْ تَنْهانا عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَر، وَقَدْ بَيَّنَ رَبُّنا سُبْحانَهُ هذِهِ الصَّلاةَ، فَقال: “فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ”[2].

أَيُّها المُؤْمِنُون!

وَصِيامُنا إِنْ ذَهَبَ ضَحِيَّةَ الرِّياءِ لَنْ يَكونَ لَنا جُنَّةً ولا وِقايَةً مِن الشُّرورِ والسَّيِّئاَتِ. وَأُضْحِياتُنا عَلى مَذْبَحِ الرِّياءِ لَنْ تُقَرِّبَنا مِن اللهِ. وَإِنْفاقُنا وَصَدَقاتُنا وحَسَناتُنا المُلَوَّثَةُ بِالرِّياءِ سَتَكونُ بَعيدَةً عَن القَبولِ عِنْدَ اللهِ سُبْحانَه.  وَرَسولُ اللهِ (ص) يُخْبِرُنا بِأَنَّ أَعْمالَنا المُلَوَّثَةَ بِالرِّياءِ سَتُؤَدِّي بِنا إلى الخُسْرانِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَبَيَّنَ لنا (ص) بِأَنَّ مَنْ أَنْفَقَ “لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ” سَيَنْقَلِبُ مالُهُ ناراً عَلَيْهِ، وَمَنْ تَعَلَّمَ “لِيُقَالَ: عَالِمٌ” سَيَنْقَلِبُ علمه عَذاباً عَلَيْهِ، بَلْ مَنْ قُتِلَ “لِيُقَالَ: جَرِيءٌ” فَإِنَّ قِتْلَتَهُ سَتَكونُ حُجَّةً عَلَيْهِ ولَنْ تَكونَ شهادَةً له؛ لِأَنَّ أَعْمالَ الَّذينَ يَغْفُلونَ عَنْ رِضى اللهِ سُبْحانَهُ، وَيَحْمِلونَ في أَعْمالِهِمْ نِيَّاتِ الظُّهورِ والرِّياءِ لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ عِنْدَ اللهِ[3].

إخواني!

إِنَّ المَظْهَرَ وَحُبَّ الظُّهورِ يَزْدادُ هَيْمَنَةً على العالَمِ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ، وَتَبْتَعِدُ الإِنْسانِيَّةُ عن الإِخْلاصِ بِسُرْعَةٍ كَبيرَةٍ، فالرِّياءُ هُوَ الْخَطَرُ الأَكْبَرُ الَّذي يُخَرِّبُ عُقولَنا ونُفوسَنا، ويُهَدِّدُ إِيمانَنا وأَعْمالَنا، ويُفْسِدُ عَلاقاتِنا وصَداقاتِنا. وفي هذا السِّياقِ؛ يَجِبُ عَلَيْنا نَحْنُ المُؤْمِنينَ في هذا العالَمِ الَّذي يَتَعَرَّضُ فيهِ صِدْقُنا وإِخْلاصُنا لِامْتِحانٍ؛ أَنْ نَبْتَعِدَ عَنِ النِّفاقِ والرِّياء. وأَنْ نَبْتَغِيَ وَجْهَ رَبِّنا في كُلِّ قَوْلٍ نَقولُهُ وفي كُلِّ عَمَلٍ نَقومُ بِهِ، وَأَنْ نَكونَ يَقِظينَ عَلى الْمُراَئِينَ الَّذِينَ يُريدُون أَنْ يَسْتَغِلُّوا قِيَمَنا العُلْيا ومَشاعِرَنا الصَّمِيمِيَّةَ المُخْلِصَةَ، حتى لا يَخْدَعَنا مَنْ يَرومُ فِيناَ الفِتْنَةَ والفَسادَ والتَّفْرِقَةَ، ولا نُمَكِّنَهُ مِنَ التَّسَلُّلِ والدُّخولِ بَيْنَنا.

إخواني الأعزاء!

أَخْتِمُ خُطْبَتي بِدُعاءِ نَبِيِّنا الحَبيبِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام: “.. اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، اجْعَلْنِي مُخْلِصًا لَكَ وَأَهْلِي فِي كُلِّ سَاعَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ”[4].

[1]  البيهقي، شعب الإيمان، ج 5، 333.

[2]  الماعون، 107 / 4-6.

[3]  مسلم، الإمارة، 152.

[4]  أبو داود، الوتر، 25.

إعداد المديرية العامة للخدمات الدينية